لماذا سلَّم يهوذا السيد المسيح، وبثمن بخس (مت 26: 15)؟ +

واضح من النص الإنجيلي أن يهوذا سلَّم معلمه لحكم الموت محبة في الفضة وطمعًا في المال الذي أعمى عينيه، بالرغم من تحذيرات السيد المسيح لتلاميذه: "لاَ تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ" (مت 10: 9)، فذهب إلى رؤساء الكهنة بمحض إرادته: "وَقَالَ اذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُوني وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. وَمِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ" (مت 26: 15). وكون القديس متى يذكر عدد الفضة ثلاثين دون بقية الإنجيليين، فلا يُعد هذا تناقضًا ولا عيبًا، لأنه من المسلَّم به أن كل إنجيلي إنفرد بذكر بعض المعلومات أو الأحداث أو الأحاديث، وهذا يُعطينا إثراءً وتكاملًا للقصة التي تناولها أكثر من إنجيلي،
+ محبة يهوذا للفضة هيَ التي دفعته إلى طريق الهلاك، + فمحبة الفضة هيَ التي دفعت بدليلة لتسليم شمشون، عندما وعدها أقطاب الفلسطينيين: "فَنُعْطِيَكِ كُلُّ وَاحِدٍ أَلْفًا وَمِئَةَ شَاقِلِ فِضَّة"
(قض 16: 5)، +ومحبة الفضة هيَ التي دفعت جيحزي لطريق البرص إذ طمع في وزنة فضة وحلتي ثياب فأعطاه نعمان السرياني وزنتي فضة وحلتي ثياب
(2 مل 5: 22-23)،
+ وبسبب محبة المال هلك حنانيا وزوجته سفيرة، فمحبة المال تجعل الإنسان يضل عن الإيمان: "لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَة"
(1 تي 6: 10). الأمر العجيب أن يهوذا لم يكن محتاجًا للمال، إنما كان مُحبًا وعابدًا للمال، و" لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ... لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللَّه وَالْمَالَ"
(مت 6: 24). كان معه الصندوق فكان يسرق ما يوضع فيه، وعندما أبصر مريم تكسر قارورة طيب التي ثمنها ثلاث مئة دينار إنكسر قلبه حسرة على هذا الإتلاف بحسب تصوُّره وقال: "لِمَاذَا لَمْ يُبَعْ هذَا الطِّيبُ بِثَلاَثَمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ. قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيه"
(يو 12: 5-6) ورغم أن يهوذا كان مُحبًا للفضة إلاَّ أنه لم يكن حازقًا، فلو تأمل مليئًا لكان الأفضل له أن يظل يسوع على قيد الحياة حتى يظل تدفق العطايا في الصندوق الذي في حوزته، وأيضًا عندما عقد صفقته مع رؤساء الكهنة لم يساوم معهم مع أنهم كانوا على أتم استعداد أن يضاعفوا له المبلغ أضعافًا.
ولم يكن ليهوذا أي عذر في تصرفه الشائن الطائش هذا، ولا سيما:
أ - إن السيد المسيح صاحب فضل عليه، فهو الذي دعاه لتبعيته، وأقامه من الأثنى عشر تلميذًا المختارين.
ب - عاش يهوذا مع معلمه نحو ثلاث سنوات يأكل ويشرب وينام معه، فقد عاين وجه الإله المتجسد، ورافقه عن قرب، فنال شرفًا تطلع إليه ملوك وأنبياء وكهنة العهد القديم ولم ينالوه.
جـ - سمع يهوذا تعاليم السيد المسيح الجديدة والسامية، التي حوَّلت الأشرار إلى أبرار، والزناة إلى بتوليين والخطاة إلى كارزين، ولمس سمو هذه التعاليم في حديث السيد المسيح مع زكا والسامرية والمرأة التي أُمسكت في ذات الفعل... إلخ.
د - شاهد وعاين معجزات المسيح العجيبة والتي ليس لها مثيل في تاريخ البشرية، فالذين كانوا ينالون الشفاء لا حصر لهم، حتى أن كل من له داء كان يزاحم ويقع عليه حتى يلمسه فيُشفى من دائه، وعاين نازفة الدم وغيرها الكثير.
هـ - كرز يهوذا بِاسم المسيح، وصنع معجزات بِاسمه، ورأى الأرواح النجسة تخضع له.
و - نال كرامات عظيمة، ونال ثقة الكثيرين، وأئتمنه العالِم بكل شيء على صندوق الخدمة، ولم يشك فيه أقرب المُقربين إليه، فعندما قال السيد المسيح لتلاميذه أن واحدًا منكم يسلمني، كل منهم شك في نفسه وأخذ يسأل، هل أنا يا رب؟ ولم يشك واحد منهم في يهوذا.
+خيانة يهوذا هي إتمام لنبوات الكتاب المقدّس. نقرأ في العهد القديم عدد كبير من النبوات التي تتحدث عن آخر أيام الرّب يسوع على الأرض، النبوات آيات تتعلق بالخيانة التي سيرتكبها شخص ضد الرّب يسوع، وبأن هذا الشخص سيكون من مرافقيه، وبأنه سيقبض ثمن هذه الخيانة مبلغ ثلاثين من الفضة، وبعد ذلك يندم ويعيد المال ويموت في خطاياه.
*. زكريا 11:11-13: "فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي وَإِلاَّ فَامْتَنِعُوا". فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. فَقَالَ لِي الرّب: "أَلْقِهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ الثَّمَنَ الْكَرِيمَ الَّذِي ثَمَّنُونِي بِهِ". فَأَخَذْتُ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ وَأَلْقَيْتُهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ فِي بَيْتِ الرّب".
*. مزمزر 9:41: "أَيْضاً رَجُلُ سَلاَمَتِي الَّذِي وَثَقْتُ بِهِ آكِلُ خُبْزِي رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!".
*. مزمور 8:109: "لِتَكُنْ أَيَّامُهُ قَلِيلَةً وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ".
*.مزمور 25:69: "لِتَصِرْ دَارُهُمْ خَرَاباً وَفِي خِيَامِهِمْ لاَ يَكُنْ سَاكِنٌ".
*. مزمور 28:69: " لِيُمْحَوْا مِنْ سِفْرِ الأَحْيَاءِ وَمَعَ الصِّدِّيقِي
نَ لاَ يُكْتَبُوا ".
تعليقات
إرسال تعليق